الأربعاء , أغسطس 21 2019
الرئيسية / صحة وطب / الفيتامين A يتصدّر الحرب بين المناعة والجراثيم المعوية

الفيتامين A يتصدّر الحرب بين المناعة والجراثيم المعوية

تشير الدراسات الحديثة الى دور الوساطة الذي يؤديه الفيتامين A بين الجراثيم المعوية وجهاز المناعة “محورية” لابتكار علاجات جديدة لأمراض المناعة الذاتية، مثل مرض كرون والتهاب القولون التقرحي وأمراض التهابية أخرى تصيب الأمعاء.

من المعروف أن الجراثيم المعوية تؤدي دوراً حاسماً في مسار الحفاظ على الصحة. تثبت الأبحاث أن تريليونات الكائنات الدقيقة المفيدة التي تستضيفها الأمعاء قد تحافظ على رشاقتنا وشبابنا وصحتنا، على المستويين الجسدي والعقلي معاً.
لكن كيف تحقق الجراثيم المعوية هذا الهدف؟ يتمحور الجواب حول جهاز المناعة. بدأت دراسات متنوعة تكشف تدريجاً عن وجود علاقة معقدة بين الجراثيم المعوية والمناعة. يبدو أن التفاعلات القائمة بين الأمعاء المضيفة والجراثيم التي تستعمرها تسمح بالتحكم بطريقة تفاعل الجسم مع الأمراض.
كان العلماء يعرفون منذ فترة أن البيئة الميكروبية تساهم في تنظيم التفاعلات المناعية. لكن بقي عدد كبير من الآليات المفصّلة التي تقف وراء هذا التفاعل مجهولاً. على سبيل المثال، كيف يسمح جهاز المناعة المُصمَّم لحمايتنا من مسببات الأمراض لهذه الجراثيم الصديقة بالعيش بكل “سعادة” في أمعائنا؟
اكتشف بحث جديد الآن أن الجواب قد يكمن في الفيتامين A. لاحظ فريق من العلماء، بقيادة شيبرا فايشنافا، أستاذة مساعِدة في قسم علم الميكروبات الجزيئية وعلم المناعة في جامعة “براون” في “بروفيدنس”، “رود آيلاند”، أن وجود مستويات معتدلة من الفيتامين A في الأمعاء يمنع فرط نشاط جهاز المناعة.
نُشرت النتائج في مجلة “المناعة” وقد تنعكس بقوة على اضطرابات المناعة الذاتية مثل مرض كرون. ذكر المشرفون على الدراسة أن جينةMECP2 معروفة بتأثيرها على سلوكيات القلق. ربط العلماء بين حصول تغيرات في تلك الجينة وعدد من الحالات، منها متلازمة ريت ومتلازمة تكاثر جينةMECP2 ، علماً أن القلق جزء من أعراض الحالتين معاً. تحتوي جميع الخلايا على بروتين MECP2، لكن ترتفع كمية هذا البروتين بدرجة فائقة في الخلايا الدماغية على وجه التحديد. ينظّم البروتين جينات متعددة تؤدي دوراً في وظيفة الدماغ الطبيعية، لا سيما تلك التي تساهم في الحفاظ على نقاط الاشتباك العصبي، أي الروابط القائمة بين الخلايا الدماغية.

يحافظ على سلامة جهاز المناعة

تتألف البيئة الميكروبية في الأمعاء من أكثر من 100 تريليون جرثومة وتنقسم بشكل أساسي بين متينات الجدار والعصوانيات.
استعملت فايشنافا وأعضاء فريقها نماذج من البيئة الميكروبية لدى الفئران واكتشفوا أن الجراثيم المعوية تنظّم التفاعلات المناعية من خلال تعديل البروتينات التي تُنشّط الفيتامين A في الجهاز الهضمي. يُسمّى البروتين المؤثر “ريتينول ديهيدروجيناز 7” لأنه يُحوّل الفيتامين A إلى حمض الريتينويك: إنه شكل ناشط من الفيتامين A.
كذلك، اكتشف العلماء أن جراثيم متينات الجدار، وتحديداً الأنواع التي تكون جزءاً من عائلة الكلوستريديا، تخفف مستوى التعبير عن الريتينول ديهيدروجيناز 7. على صعيد آخر، تدفع جراثيم الكلوستريديا الكبد إلى تخزين كميات متزايدة من الفيتامين A بحسب اكتشافات العلماء. استعملت فايشنافا وفريقها تقنية التعديل الوراثي لتصميم فئران تفتقر إلى الريتينول ديهيدروجيناز 7 في الخلايا التي تحدّ أمعاءها. كانت مستويات حمض الريتينويك في أنسجة أمعاء تلك القوارض ناقصة، وقد تراجع أيضاً عدد الخلايا المناعية التي تنتج جزيئة الأنترلوكين 22. تطلق هذه الجزيئة إشارات من شأنها أن تُوجّه التفاعلات المضادة للميكروبات في جهاز المناعة. ذكر الباحثون أيضاً أن عناصر أخرى في جهاز المناعة، مثل خلايا الغلوبولين المناعي “أ” وخلايا تائية أخرى، بقيت على حالها بعد تجريد الفئران من الريتينول ديهيدروجيناز 7. تكشف هذه الملاحظة أن الريتينول ديهيدروجيناز 7 لا يؤثر إلا بطريقة تفاعل جهاز المناعة مع الجراثيم.

علاجات جديدة

يوضح العلماء أثر بحثهم معتبرين أن فهم التفاعلات القائمة بين الجراثيم المعوية والاستجابة المناعية قد يُسلّط الضوء على علاجات جديدة لاضطرابات المناعة الذاتية مثل مرض التهاب الأمعاء.تقول فايشنافا: “يُنسَب عدد كبير من تلك الأمراض إلى زيادة الاستجابة المناعية أو النشاط المناعي، لكننا اكتشفنا طريقة جديدة تستعملها الجراثيم في أمعائنا لإخماد التفاعل المناعي. قد يكون هذا البحث محورياً بالنسبة إلى تحديد العلاجات التي تستهدف أمراض المناعة الذاتية، مثل مرض كرون أو أمراض معوية التهابية أخرى، فضلاً عن نقص الفيتامين A”.أضاف الباحثون: “يتوقف دور الفيتامين A في الالتهابات على سياق الحالة ويكون عزله بالغ الصعوبة”. يخطط العلماء مستقبلاً لاستكشاف السبب الذي يجعل قمع الريتينول ديهيدروجيناز 7 أساسياً بالنسبة إلى الاستجابة المناعية، وما تفعله الجراثيم للسيطرة على التعبير الجيني الخاص بذلك العنصر.أوضح الباحثون: “يتزامن تغيّر وضع الفيتامين A والجينات الأيضية المرتبطة به مع الأمراض المعوية الالتهابية، لكننا لا نعلم ما إذا كان هذا الوضع يُسبّب الالتهابات أو لا يفعل. استناداً إلى نتائجنا، أي الفكرة القائلة إن الجراثيم تستطيع تنظيم طريقة تفكيك الفيتامين A في الأمعاء أو تخزينه، نأمل أن تتّضح قريباً أسباب ما يحصل”.سلّط الباحثون الضوء على دور الحمية الغذائية والجراثيم المعوية في الحفاظ على صحة الجهاز المناعي. توضح فايشنافا: “على ما يبدو، ثمة رابط محوري بين الحمية والجراثيم المعوية من جهة وتنظيم تصرفات الخلايا المناعية من جهة أخرى. سيكون اكتشاف طبيعة تلك الروابط على المستوى الجزيئي مهماً لتحديد كيفية استعمال الحمية الغذائية أو الجراثيم، أو الاثنين معاً، بهدف إعطاء الأثر العلاجي المنشود ضد الأمراض الالتهابية أو المُعدِية”.

شاهد أيضاً

عواطفك تؤثر في استجابتك المناعية

طرح بحث جديد أدلة غير مسبوقة مفادها أن التعرض المتكرر للعواطف السلبية قد يعطي أثراً …